الفن أكثر ترهيباً من الحرب

حلب وغروزني.. شاهدتان على قيمة الوحشية لدى بوتين

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 2 أكتوبر 2016 - 1:07 مساءً
الفن أكثر ترهيباً من الحرب

تحقيق – جورج عيسى

شرّح الكاتب مارك غاليوتي اِستراتيجية بوتين العسكرية في سوريا ضمن مقاله في مجلّة فورين بوليسي الأمريكية، حيث لفت إلى أنّ ما تعاني منه حلب اليوم عانت منه غروزني بالأمس غير البعيد. غاليوتي رأى أنّه “من الحكمة” تفحّص أساليب بوتين في الحرب الشيشانية الثانية (1999-2000)، علماً أنّ “هاتين حربين مختلفتان جداً، خِيضتا بطرق مختلفة وقوات مختلفة”. لكنّهما على الرغم من ذلك تضيئان على “القيمة الاِستراتيجية للوحشية” لدى بوتين، في حربه ضدّ المتمردين، حين “تطبّق بكميات كافية”.

ويستشهد غاليوتي بما كشفه له ضابط روسي السنة الماضية حين كان يتحدث عن معركة غروزني التي خلّفت آلاف القتلى وعشرات الآلاف بدون مأوى: “كل حرب رهيبة. أحياناً الفنّ هو ما يكون الأكثر ترهيباً”. وأشار الكاتب إلى أنّ اقتباس الضابط شمل تلاعباً ذكياً لكن مروّعاً بالكلمات، إذ إنّ غروزني تعني “رهيب” باللغة الروسية.

لا محرّم في القصف
يؤكد الكاتب أنّ غروزني كحلب، لم تُقصف فقط بالمدفعية التقليدية وبالسلاح الجوي، إنما أيضاً براجمات توس-1 بوراتينو القادرة على قصف 24 صاروخاً مزوّداً بقنابل حرارية، تحتل بحسب الكاتب المرتبة الثانية خلف القنابل النووية، في قدرتها على تحويل المدن والأبنية إلى ركام. ورأى غاليوتي أنه يمكن للروس أحياناً أن يلتزموا بضبط معاركهم كما حصل في القرم سنة 2014. لكن عندما لا يريدون الاِكتفاء باحتلال الأراضي بل ضرب معنويات أعدائهم، تصبح قواعد اللعبة “مختلفة جداً”.

موسكو.. “مكافحة إرهاب أم بربرية”؟
ينفي غاليوتي أن يكون بوتين مسؤولاً وحده عن الحرب في سوريا، فهنالك الأسد والإيرانيون أيضاً. لكنّهم مع الروس، يُظهرون تفكيراً واحداً في هذه المسألة: فالسلام بالنسبة إلى دمشق يعتمد على نصر صاعق وإبراز قوة نارية لا تُقاوم. “حلب هي مثلٌ غير محظوظ”. من جهة أخرى، كتب غاليوتي عن مواجهة موسكو ودمشق غضب المجتمع الدولي، كما هنالك حديث عن عقوبات إضافية. وذكّر بما قالته سفيرة أمريكا في الأمم المتحدة سامانتا باور يوم الأحد الماضي في جلسة مجلس الأمن عن أنّ “ما ترعاه روسيا وتفعله ليس مكافحة للإرهاب – إنّه بربرية”.

كما كذبت أمس تكذب اليوم
وقارن الكاتب بين إنكار روسيا للحقائق التي تدينها في حلب اليوم وتلك التي أدانتها سابقاً في الشيشان. وقال وزير خارجية موسكو حينها إيغور إيفانوف لوزيرة خارجية أمريكا مادلين أولبرايت، إنّ الصور عن المنازل والمستشفيات المدمّرة كانت مغلوطة من أجل “تعقيد علاقات روسيا مع الشركاء في العالم”. وتمّ تصوير الشيشان وأفغانستان على أنّهما “فرعان من شجرة واحدة”. أمّا في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، ردّد فيتالي تشوركين، مندوب روسيا في الأمم المتحدة، “صدى هكذا بلاغة” وأنكر الوثائق وأشرطة الفيديو عن القصف العشوائي لحلب، مشيراً إلى أنها “محاولة لشن حملة إعلامية تهدف إلى تشويه سمعة الإجراءات الحكومية لدفع الإرهابيين إلى الخارج باستخدام تسجيلات صورية وصوتية مزيّفة وقديمة”. كما اِتهمت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا البيت الأبيض ب”الدفاع عن داعش”. وهذه سياسة “لا تعترف مطلقاً، دائماً ردّ على الهجوم بهجوم” بحسب رأي الكاتب الذي أشار إلى أنّه يسهل تشتيت أنظار الغرب.

“الغرب لا يؤمن بشيء”
أعرب غاليوتي عن دهشته من مدى إيمان الغرب بالسياسة الواقعية، حيث يتم تجاهل الحديث عن القيم وحقوق الإنسان ببلاغات تبرير ذاتي، في وقت تبدي القيادة في روسيا اعتقادها بأنّ “الغرب لا يؤمن بشيء”. كما تحدّث الصحافي عن اِفتراض يشير إلى أنّ الغرب “سيبلع أيّ وحشية” تقوم بها روسيا إذا “أدّت إلى نهاية مرجوّة، مثل تدمير داعش”. ففي الشيشان لم تتحرّك أي دولة غربية، بسبب غياب الرغبة في تحدّي الرئيس المنتخب حديثاً حينها، فلاديمير بوتين، الذي رأى فيه الغربيون إمكانية أن يكون شريكاً يعوّل عليه أكثر من بوريس يلتسن “المدمن على الكحول”.

هنا “الثوار أقوى”
وتعلمت روسيا منذ ذلك الحين أنّ “التزام الغرب بحقوق الإنسان يمكن تجاهله بأمان”. لكن على الرغم من التشابه بين بعض التكتيكات، يركّز غاليوتي على كون بوتين “لا يظهر مؤشرات اعتقاد بأنّ الحرب السورية هي إعادة (لما حصل في) الشيشان. الدولة أكبر بكثير، الثوار أقوى لكن أكثر انقساماً، المجتمع الدولي أكثر انخراطاً” في عمق الأزمة. لكنّ الدرس الوحيد الذي تلقنه “من انتصاره الدموي في دياره، هو أنّ حرباً وحشية تُربح بطريقة أفضل من خلال وسائل وحشية”. وكانت كلمتا غاليوتي الأخيرتان: “مسكينة سوريا”.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.