أبنيــة الواحــات القــديمة _ مكيــفات طبيعيــة في الحـــر القاتــل

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 1 يونيو 2017 - 3:28 مساءً
أبنيــة الواحــات القــديمة _ مكيــفات طبيعيــة في الحـــر القاتــل

كتب – محمود عبد ربه

الطوب هو مادة بناء طبيعية من البيئة المحلية وهو مصنوع من الرمل والطفله والماء مع إضافة نسبة قليلة من التبن (القش المكسر والناعم) الى الطين قبل تقطيع الطوب لتجفيفه تحت أشعة الشمس ، ويسمى هذا النوع في الواحات (( بالطوب الني )) او الطوب اللبن .. ويتحمل الطوب اللبن درجات عالية من الحرارة ويمكن ان نقول هو عازل حراري بشكل ممتاز .. لذا حرص الاجداد على استخدامه بشكل كبير في واحات صحراء مصر الغربية لارتفاع درجات الحرارة العالية التى تتجاوز الـ 50 درجة مئوية في اشهر الصيف …

وكلمة طوب ترجع إلى اللغة المصرية القديمة (( دوب )) ثم عربت ونطقت ( طوب ) وكان يصنع في مصر القديمة من طمي النيل وظلت بيوت المصريين تبنى بالطوب اللبن لخمسة آلاف سنة وفي في الخمسين سنة الأخيرة تحولت مادة البناء للطوب الأحمر والحجر وغيرها ويعلل عدم بناء منزل المصري القديم بالطوب الأحمر لاعتقادهم بأن دار الخلود ليست في الحياة الدنيا واكتفوا ببناء بيت الفرعون أوما يعرف بالبيت الكبير بالحجر والطوب الأحمر اعتقادا منهم بأن ساكنه الإله أوابن الإله الفرعون حسب العقيدة المصرية القديمة وكذلك بنى المصري القديم القبر والمعبد بالطوب الأحمر والحجر ولقد عرفوا عمليات حرق الطوب. وكان يستخدم في الأمريكتين لبناء المعابد والأهرامات ولا يزال يستعمل في اليمن والعراق.

اما في الواحات الخارجه والداخلة والفرافرة والبحرية وسيوة فظل الطوب اللبن على حالة منذ العصور الفرعونية والرومانية ومما يدل على ذلك استخدامة في بناء الكثير من المعابد والمقابر وكذلك استخدامة في بناء مقابر البجوات وهي جبانة مسيحية يرجع تاريخها الى القرن الثاني الميلادي إلى القرن السابع الميلادي ، وهي مبنية من الطوب اللبن واسقفها على شكل قباب او قبوات ، وتتمثل أهميتها البالغة في أنها ترجع لأوائل العصر المسيحي حيث فر أقباط مصر بدينهم خوفًا من الاضطهاد الروماني للمسيحية، واستقروا في الصحراء بعيدًا عن أيدي الأباطرة الرومان ..

ان بناء مدن الواحات القديمة اعتمدت بشكل كلى على الطوب اللبن والمسقوف بجريد النخيل والطين ، حيث شكلت البيوت المتلاصقة ممرات فيما بينها سميت بالدروب و الحارات والازقة الصغيرة التى يعلوها سقائف من الحجرات الصغيرة فكان من خصائها الاحتفاظ بدرجات الرطوبة خلال فصل الصيف القاتل ، حيث كان السكان يلجاون اليها في الحر الشديد وكانت مساقط الهواء تعمل على تكرير الرياح الساخنة المحيطة بالواحات والقادمة من قلب الصحراء لتتحول الى مكيفات طبيعية داخل منازل الواحه دون الحاجة الى مراوح او مكيفات مركزية ..

و يذكر لنا الدكتور احمد امين ، احد القضاة الشرعيين في الواحات سنة 1913 م ان الاهالى في الخارجة يفرون ليــلا الى غرود الرمال خلال فصل الشديد شديد الحرارة خوفا من العقارب التى تكثر ليلا في البيوت بفعل الحرارة الشديده .. كما يصف الكسندر هوسكينز سنة 1832 م دروب الواحات الخارجه انها شديدة الالتواء والضيق لدرجة انك تركع حتى تستطيع المرور بين جنباتها وانها متعرجة وطويلة ومن الصعب ان يقتحمها الغزاة ..

ولقد كانت رسالة شيخ المعماريين المهندس – حسن فتحي .. والذي فارق الحياه في أواخر الثمانينيات هي تحسين حياة الفقراء من خلال تهيئة بيئة سكنية جيدة لهم وترك لنا علمه ونظرياته فى خدمة الفقراء من خلال عمله كأستاذ جامعي بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة. والأهم أنه ترك على أرض الواقع مشروعاته المتعددة كقرية باريس عالتى بنيت بالكامل من الطوب اللبن سنة 1967 واستطاع فيها الوصول إلى خفض هائل لدرجة الحرارة التى وصلت إلى (15 درجة مئوية فرق الحرارة بين داخل الفراغ وخارجه) باستخدام أساليب التهوية الطبيعية لمبنى السوق ..

وكان حسن فتحي صاحب نظرية شهيرة في الوسط المعماري بمصر وخارجها أيضاً، تفضل الرجوع إلى وسائل البناء التقليدية المستمدة من البيئة المحليّة واستخدام طوب اللبن لبناء منازل أكثر راحة ونظافة بتكلفة أقل، ومحاولة استلهام الأساليب التقليدية في البناء وبخاصة في المنازل النوبية في الجنوب، ومحاولة تطوير تقنيات البناء بطوب اللبن لبناء منازل نظيفة وراقية وفي نفس الوقت بسيطة بحيث يظل بمقدور الفلاح بناء بيته بنفسه بدون الحاجة لتقنيات معقدة ومكلفة. وكان يرى أن المبنى هو نتاج البيئة التي يبنى بها ولذا كانت معاناته الكبيرة من جراء سيطرة الثقافة الغربية على أفكار مهندسي تلك الفترة الذين سايروا، وجاملوا، وقلدوا شتى النزعات الغريبة. وترجع أهمية حسن فتحي إلى كونه أول من شخّص مركب النقص عند المعماريين المصريين إزاء منجزات العمارة الغربية.

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.