المستقبل للعلم

قراءة
أخر تحديث : الإثنين 26 يونيو 2017 - 1:20 صباحًا
اتصل بي هاتفياً ليهنئني بعيد الفطر. وهو صديق مزعج كثير النقد قليل العمل يزعج من حوله بكثرة بحثه عن أخطائهم فإن لم يجدها اخترعها. صديقي زهير هذا يتباهى دائما أنه من برج العذراء ولذلك تسرع عيناه لرؤية الأخطاء التي قد لا يلاحظها سواه. ومع أنه من جيلي اي أنه تجاوز السبعين من العمر إلا أنه يظهر كشاب في الأربعين فشعره يغطي كل رأسه لم ينقص منه شعرة واحدة بفعل العمر بل ما زال على حاله منذ كان في العشرين. ولم يغز الشيب رأسه. بل اضاف لشعر رأسه لحية سوداء تحيط بصدغيه وتتمدد تحت ذقنه بضعة عشر سنتمتراً.
استعذت بالله عندما سمعت صوته. هنأني بالعيد وسالني إن كنت صليت العيد بصفتي أنهيت صيامي قبل الناس بيوم. فأجبته أن لا علاقة بين الأمرين فالصيام عبادة لله والعيد تقليد اجتماعي يتبادل فيه الناس التهاني ويصلون أرحامهم. وضحك ساخراً مما فعلت فقلت له: إن الله أمر بصيام رمضان وليس سواه كفرض. وانا صمت كل رمضان أما أنت وأمثالك فضيعتم يوماً من رمضان وعوضتموه بيوم من شوال. ورمضان هو الأصل. فقال: ولكنك ضيعت ساعة ونصف من رمضان بإفطارك يوم السبت الموافق24 حزيران (يونيو). فقلت له تعاتبني على ساعة ونصف وأنت من ضيع يوماً كاملا.
بالمناسبة زهير مهندس متخرج من إحدى جامعات لندن. وكان خلال دراسته نشيطا في مجال الدعوة الإسلامية وسمعت مرة أنه كان عضواً في مجلس للطلبة المسلمين في جامعات لندن أو شيئا من هذا القبيل. وعمل بعد تخرجه في أحد أقطار الجزيرة العربية. وجمع ثرو كبيرة ويعيش الآن عليها فلم يعد بحاجة إلى العمل لكسب المال ويشغل وقته بنشاطات دينية ضمن إحدى الجماعات الدينية.
ابنته الكبرى تجاوزت الأربعين من عمرها وهي صديقة فيسبوك لي. علم في بداية الشهر أنها ستصوم وفق الحساب الفلكي مقتنعة بما نشرته على حسابي قبيل شهر رمضان. فتعمد أن يدعو نفسه للغداء عندها يوم الجمعة الموافق للأول من رمضان كي يحرمها الصيام حسب الفلك . وخجلت السيد الفاضلة من أبيها ولم تصم لتقوم بواجب استضافة أبيها. ولكن ابنتها البكر ذات الثلاثة عشر عاما صممت على صيام ذلك اليوم. غير عابئة بزيارة جدها. وقد حاول إرغامها على الإفطار ذلك اليوم لتصوم مع بقية المسلمين في اليوم التالي فرفضت وقالت له: يا جدي ليس من أجل شخص ما أصوم ولكني تأكدت بنفسي ان هلال رمضان تكون ليلة الجمعة. فنحن الآن في رمضان. ولست بحاجة إلى رجل دين لياذن لي ببدء صيامي أو إنهائه فالله هو الذي يخلق الشهر وهو الذي يحاسبنا عليه.
سمعت بهذه القصة في حينها فكانت لي عزاءً . وفكرت مستعملا بقايا ذكائي السائل الذي لا يحتاج إلى دليل بل يكفيه صنع نسق منطقي ليصدق ظنه. قلت لنفسي هذا الرجل من جيلي يرفض دعوتي حسدا أو جهلا وتمسكا بالتراث ظاناً أنه الدين الحق. ولكن ابنته التي تصغرنا بجيل مقتنعة بما كتبت عن بداية رمضان لكنها خجولة فاطاعت أباها وهي راغبة عن رأيه لكنه الحياء. ثم تاتي الحفيدة بموقفها الصلب لتقول لي إن المستقبل لطروحاتي . فهذه الطفلة المتعلمة التي تستطيع الوصول للإنترنيت، وتعرف مواعيد مراحل القمر، ولا تجامل بالحق الذي تعرف صامت وفق الحساب الفلكي. كان عملها إشارة لي وبشرى بمستقبل أفضل لهذه الأمة. وهزيمة نكراء للذين لا يستعملون عقولهم رغم الفرص الذهبية التي حصلوا عليها. كصديقي زهير.
المهم أن زهير لم يشعر بالهزيمة. فهو رجل محافظ ولا يثنيه عن إيمانه بالتراث وبرجال جماعته علم ولا برهان. ويعتبر مخالفة نهج جماعته درجةً من الكفر.
وبعد نقاش طويل حول صيامه وصيامي سألني ساخراً عن موعد صيامي في العام القادم. غراراً على ما فعلت في العام الماضي إذ نشرت حينها مقالاً قصيراً عن صيام هذا العام لأقنع أمثاله أن معرفة تكون هلال الشهر لا تحتاج مراقبة بعد غروب اليوم التاسع والعشريين من شعبان فهي معروفة قبل أعوام كثيرة. وما عينا سوى أن نفتح على صفحات الإنترنيت المعنية بالأمر لمعرفة متى يتكون رمضان العام القادم (1439 ق) وما بعده ولمائة عام قادمة إن أردنا.
سألني ولم يعلم أنني أعددت جوابي سلفاً لأخبر قرائي فقلت له: العام القادم 1439 هجرية سيتكون هلال رمضان الساعة الثانية وسبع واربعين دقيقة من يوم الثلاثاء المواق للخامس عشرمن ايار (مايو). وسأصوم من بداية ذلك اليوم ما دام خمس ساعات من النهار هي من رمضان. ولكن لا عتب على من يفطر ذلك اليوم حتى لو علم بتكون الهلال؛ فالصوم يومها قضية خلافية. ولكن أغلب الظن ان المراقبين الذين يصرون على عدم الاعتراف بالهلال إلا إذا ظهر بعد الغروب لن يروه مساء ذلك اليوم فسيأجلون الاعتراف ببداية الشهر حتى يوم 17 أيار كما فعلوا هذا العام وكما يفعلون منذ أعوام. وواصلت القول له بأن الشهر سينتهي بعد مغرب يوم الأربعاء الموافق للثالث عشر من حزيران (يونيو) وسأصوم كل ذلك اليوم. وكما حدث مع بداية الشهر لن يعترف مقدسوا التراث مثلك بظهور هلال شوال بل سيجعلون الناس يصومون الأول من شوال ليكون العيد يوم 15 حزيران بدل 14 حزيران الذي هو الأول من شوال حقاً.
فقال : تبدو واثقاً من كلامك كأنك ترى الهلال بأم عينك. قلت بل أراه بأم عقلي بناء على ماتسجله المؤسسات العلمية. ولا يهمني أن تقتنع بقولي، فإن لم تحرج ابنتك بدعوة نفسك للغداء عندها يوم 15 ايار من العام القادم كما فعلت هذا العام فإنها ستصوم حسب الفلك فإن احرجتها وخجلت منك فستصوم حفيدتك على منهجي فالمستقبل للعلم يا باشمهندس زهير!!
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.