من الرق إلى العرش

قراءة
أخر تحديث : الأحد 2 يوليو 2017 - 6:02 مساءً

كافور الإخشيدي ( 292 – 357 هـ )/ (905 – 968 م) كان من رقيق الحبشة وأصبح رابع حكام الدولة الإخشيدية في مصر والشام، كان الحاكم الفعلي لمصر منذ 946 بعد وفاة محمد بن طغج فحكمها بقوة وكفاءة ثم مدد حكمه إلى بلاد الشام. دام حكمه ثلاثة وعشرين عاما تمكن خلالها من ترسيخ أركان الدولة الإخشيدية في مصر. فمن هو؟ وكيف تمكن وهو العبد الذي كان يباع ويشترى من أن يحكم مصر وبرضا أهلها أو صمتهم، ثم ضم لها أجزاءً من بلاد الشام ؟ ثم يُدفن عبد بني عياش في ساحات بيت المقدس تكريما له واعترافا بفضله؟ وإزالة لأي لبس، فلا علاقة بين كافور الزنجي هذا وبين سلاطين دولتي المماليك البحرية والبرجية الذين حكموا مصر والشام منذ منتصف القرن الثالث عشر حتى الاحتلال العثماني للبلاد العربية. فمماليك الدولتين المذكورتين من أصول آسيوية وأوربية. ولم يكونوا عبيداً بالمعنى الشائع. ونعود لأبي المسك كافور لنسائل أنفسنا ومن يستمع ويهتم من أبناء أمتنا: ترى أيحدث مثل هذا في أمة أخرى ذات ثقافة حية وتقاليد راسخة؟ أم أن بعض روايات قصته غير صحيح؟ ولا أنكر منذ البداية أن في المراجع روايتان عن طريقة وصول كافور للحكم ولكن لا اختلاف على أنه كان رقيقا مهينا لشخص من أهل القاهرة، ويتفق الرواة على بشاعة الرجل وعدم وضوح ملامح وجهه مما يجعله غير لائق بأي منصب عام. وساختار رواية يوسف البديعي (المتوفى عام 1073 هجرية) في كتابه “الصبح المنبي عن حيثية المتنبي”. التي وجدتها على هوامش كتاب العكبري المسمى “شرح التبيان على ديوان أبي الطيب المتنبي”. والنسخة التي اعتمد عليها مطبوعة عام 1308 هجرية. يصف الشيخ يوسف البديعي كافور قائلا:” كافور عبد أسود خصيّ مثقوب الشفة السفلى،بطين قبيح القدمين، ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة. وقد سئل عنه عض بني هلال فقال رأيت أمة سوداء تأمر وتنهى.” ويضيف البديعي :”كان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يُعرفون ببني عيّاش،يستخدمونه في مصالح السوق. وكان ابن عياش يربط في رأسه (كافور) حبلاً إذا أراد النوم، فإذا اراد منه حاجة جذبه بالحبل؛ لأنه لم يكن ينتبه بالصياح. وكانت غِلمان ابن طغج (إخشيد مصر وقتذاك) يصفعون (كافور) في الأسواق كلما رأوه. فيضحك. فقالوا هذا الأسود خفيف روح،وكلَّموا صاحبه ببيعه؛ فوهبه لهم. فاقاموه على وظيفة الخدمة. ومات سيده أبو بكر بن طغج (إخشيد مصر) وولده صغير. وتقيد الأسود بخدمته وخدمة والدته”. أي أنه صار حاجب ولي عهد مصر وأمه التي يفترض أنها الوصية على العرش. ولكن لا وصول إليها إلا عن طريق حاجبها المؤتمن عليها لأنه خصي. يقول يوسف البديعي واصفا تلك الحالة :”فقرَّب من شاء؛ فتقرب الناس إليه من صِغِر هممهم وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى بعضهم (وشى) ببعض، حتى صار الرجل لا يأمن من أهل داره على أسراره. ثم ملك (كافور) الأمر على ابن سيده (ولي العهد)، وأمر أن لا يُكلِّمه أحدٌ من مماليك أبيه، ومن كلمه أتلفه. فلما كبر ابن سيده وتبين ما هو فيه جعل يبوح بما هو في نفسه في بعض الأوقات على الشراب. ففزع الأسود منه وسقاه سما ً فقتله. وخلت مصر له”. انتهى كلام البديعي عن كافور. وبعد موت محمود الإبن البكر لمحمد بن طغج صار صاحب الحق بالعرش من بعده أخوه علي بن الإخشيد الذي كانت نفسه تمتلئ رعباً من سطوة كافور وشدة بأسه، وصار كافور يعطي لعلي بن الأخشيد مثلما كان يعطيه لشقيقه في السابق، ولكن السلطة التي قبض عليها كافور بشدة جعلته يُضيق الخناق عليه، فلم يتركه يَظهَر للشعب مما جعل الصبي ينحدر إلي حياة اللهو والدعة. ثم اتجه للانقطاع للعبادة يجد فيها سلواه، حتي إذا أرهقته العبادة شمَّر عن ساعديه ليبحث عن حقه المسلوب يطلبه. فما كان من كافور إلا أن عجل بموته بعد أن دس له السم أيضاً. ويقال إن كفور كان قريبًا من قلوب المصريين لكونه سخيًا كريمًا؛ وينظر بنفسه في قضاء حوائج الناس والفصل في مظالمهم. وكان يحيط نفسه برجال الدين ويكرمهم بالكثير من الهدايا، فزين بهم عهده. وكان هذا هو المهم عند جماهير الأمة ورجال دينها. أكثر يهمهم المصالح اليومية وضرورات الحياة والأمن. وحين مات كافور حُمل جثمانه إلى القدس ودُفن بها تكريماً له وتعظيماً لشأنه. وبذا بقي كافور ملكا لمصر والشام حتى توفاه الله. فهل عرفت البشرية في تاريخها كله مثل هذه الحادثة؟ رجل غريب لا يعرف أحد أباه يدخل البلد رقيقاً لا عشيرة له ولا فكر ولا حزب. يخلع مالكُه طوق عنقه الذي طوقه به الذي كان يجره به إذا غفى أو سهى. ليهبه لابناء ‘خشيد مصر، ليضحك لهم إذا صفعوه. فإذا هو ملك يتسابق الناس إلى رضاه، وترضى به جماهير القاهرة سيدة مدن العالم وأرقاها في ذلك الزمن!!

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.