طمس النجوم

قراءة
أخر تحديث : الثلاثاء 11 يوليو 2017 - 9:38 مساءً

تشير مصادر عربية وعالمية أن يوسف بن شراحبيل (468 م – 527 م) المعروف بإسم ذي نواس الحِميَّري هو أحد الملوك الحِميَّريين في اليمن القديم. وقصة وصوله إلى الملك جديرة بالذكر لأنها نهج عالمي في تداول السلطة والحفاظ عليها إذا عجزت الجماهير عن حفظ حقها بصيانة سلطتها وأقامة ما يُصطَلح عليه بالديموقراطية. وأنا احب القصة لأنها تدل على حكمة العرب ورحمتهم في تحطيم العدو والمنافس مقارنة بقسوة الغرب وهمجية مفكره السياسي المشهور ميكافيللي. وإليكم قصة ذي نواس من بدايتها أو من قبل البداية كما يرويها ابن كثير في كتابه ” البداية والنهاية”يقول :حكم اليمن رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك، يقال له: لخنيعة ينوف ذو شناتر، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان مع ذلك امرءا فاسقا يعمل عمل قوم لوط. أراد أن يحفظ الملك له ولذريته. فكانت خطته بذلك تقوم على تشويه صورة كل مؤهل للمنصب في عين الشعب. وافضل طريقة لإسقاط شخص في عين الشعب ممارسة الفاحشة معه على طريقة قوم لوط ليفقد مكانته نهائيا عند الناس. فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك. وبعد أن يمارس الفاحشة مع الفتى يطلع من مشربته تلك إلى حرسه ومن حضر من جنده، وقد أخذ مسواكا فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه. ثم سمع بفتى يقال له يوسف بن شراحبيل وهو من ابناء العائلات التي تصلح للملك. وكان غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل، فلما أتاه رسول الملك، عرف ما يريد منه، فأخذ سكيناً جديداً لطيفا وخبأه بين قدميه ونعله وتوجه إلى الملك في مشربيته المشرفة. فلما خلا معه وثب إليه الملك فواثبه ذو نواس فوجأه بالسكين حتى قتله، ثم حزَّ رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منهاعلى حرسه، ووضع مسواكه في فيه، ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذا نواس أرطب أم يباس؟ فقال: سل نحماس استرطبان ذو نواس؟ فنظروا إلى الكوة فإذا رأس لخنيعة مقطوع. فخرجوا في أثر ذي نواس فهرب منهم ظاناً أنهم قاتلوه ثأرا لملكهم. فلما أدركوه، قالوا: ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث. أثبت ذو نواس أنه قادر على حماية رجولته فاختاره الشعب ملكا. ومقابل فسق لخنيعة وفساده أتساءل ايهما أذكى وأدهى طريقة ذلك العربي الفاسق أم ما اقترحه ميكافيللي على الملك الإيطالي الذي سأله خطة يحمي بها عرشه من المعارضة فقال له مقولته المشهورة:” الملك لا يستطيع أن يعيش بدون شعب لكنه يستطيع أن يعيش بدون نبلاء”. ونصحه بقتل كل نبلاء بلده. وكذلك فعل. ونقارن هنا أحوال الشعوب مع حكامها عندما تعجز الشعوب عن فرض سلطانها وحماية حقها بالديموقراطية. أجهزة الدولة العميقة حاليا تحمي الأنظمة بطريقة أنعم كثيراً حتى من اسلوب الفاسق لخنيعة، وأرحم مما أوصى به ميكافيللي. فقد عثرت فصائل الثورة الليبية في أواخر أيام العقيد القذافي في دائرة مخابراته على ملف اسمه “ملف طمس النجوم”. ويكاد هذا الملف أن يكون موجودا في كل اقطار الوطن العربي، وربما في اقطار أخرى لم تصل حد الديموقراطية بعد. مهمة مستلم هذا الملف تدمير سمعة كل مواطن مقنع للجماهير بعلمه أو خلقه أو قدرته على التأثير بمستمعيه من ابناء شعبه، كي لا يتمكن من إحراج قادة النظام إذا دار الزمان وصار النظام في خطر. بالمناسبة هذا الشخص النبيل المقنع ممنوع من الظهور والوصول إلى العامة حتى لو كان محسوبا على النظام مؤيدا له بفكره. لأن خطره كمقنع للجماهير اكبر من نفعه كمؤيد لقيادته. ولهم في مؤمن آل فرعون عبرة. وأعود للمقارنة بين أساليب حكامنا وبين أساليب تلاميذ ميكافيللي من حكام الغرب لأظهر سر اعتزازي بعروبتي فنحن أمة رحيمة، حتى لخنيعة الأشد فسقاً لم يصل حد التصفية الجدية لمنافسيه. فما رأيكم؟

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.