الوادي الجديد | الواحه الصغيرة ورحلة للبحث عن الكرم المفقود

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 20 يوليو 2017 - 7:27 صباحًا
الوادي الجديد | الواحه الصغيرة ورحلة للبحث عن الكرم المفقود

كتب -محمود عبد ربه
في واحتي الصغيرة … وفي الماضي القريب لم يخلوا بيت من خيرات العطاء ، فكانت البيوت لا تعرف من بعضها ايهما فقير وأيهما غني ، فالكل يتبادل في المواسم وغير المواسم  من خيرة ما انعم الله عليه به من ثمار وطعام من رزق الله  – في ماضينا القريب كنا نرى ان بيوتا صغيرة بها عائلات كبيرة تعيش على ابسط انواع الطعام في واحة يعمها الامن ويعمها الخير والمودة والتسامح بين اهلها ، وقل ما نسمع عن حادث عارض او سرقة الا من اجل لقمة عيش لسد الجوع والرمق .. أن هذه الأخلاق وهذا الكرم وهذا التعايش ما هو إلا امتداد لموروث ديني عبر الأزمنة والعصور ، ما ان تمسكنا به فلن نتفكك ولن نضل ابدا ..

لقد تأملتُ في زمن الجاهلية وقبل بُعِثة النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فلاحظت أمرًا عجيبًا، و هو أنَّ أكثر الناس حينها لم يكن لديهم دِين ينظِّم حياتهم، لكن كانت عندَهم منظومة مِن مكارم الأخلاق؛ مثل: الصِّدق والأمانة، والوفاء بالعهود والعقود، والكرم والنجدة وغيرها، وقد توارثوها كابرًا عن كابر، فصارتْ ثقافة تتناقلها الأجيال وتعتزُّ بها، وينتقصون مَن لا يُقيمها، بل يُعيِّرون مَن لا يلتزم بها، حتى أحجم أبو سفيان أن يكذبَ على النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – حينما لاحتْ له فرصةٌ يريد أن يطعنَ في عِرْضه من خلالها، أو يشوِّه سمعته كخصم لدود، أحجم عن ذلك حتى لا يُؤثر الناسُ عنه كذبًا، وكان حينها على الكُفر ولم يؤمنْ بالله تعالى بعدُ!

وكان أحد أسباب بعثة النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – هي أن يتمِّم تلك المكارم ويربطها بالدِّين، ومعنى الإتمام هنا: الاستكمال والإصلاح لأمرٍ أصلُه موجود، لكن طرأ عليه بعضُ النقص، فكانتْ إحدى أضخم مهامِّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أن يكمِّل وينظِّم تلك الأخلاقَ ويرفعها إلى مقامِ الشعائر التعبديَّة التي يتقرَّب الناس إلى الله بها، ووعدَهم بالثواب العظيم عليها، وتوعَّد بالشرِّ المستطير لكلِّ مَن مارس مساوئ الأخلاق، إلى درجةِ أنَّه صحَّ عنه – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: ((بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ وجَد غصنَ شوكٍ على الطريق فأخَّره، فشكَر الله له فغفَر له))، وفي رواية لمسلم: ((لقدْ رأيتُ رجلاً يتقلَّب في الجنة في شجرةٍ قطعَها من ظهْر الطريق كانتْ تُؤذي الناس)).
• وقال: ((غُفِر لامرأةٍ مُومِسةٍ مرَّت بكلْب على رأس رَكِيٍّ (بئر) يَلْهث، قال: كاد يقتله العطشُ فنزعت خُفَّها فأوثقتْه بخمارها فنزعت له مِن الماء، فغُفِر لها بذلك)).
• وقال أيضًا: ((دخلتِ امرأةٌ النار في هِرَّة ربطتْها فلم تُطعمْها ولم تَدَعْها تأكُل مِن خشاش الأرض))، وحينما سألوه فقالوا: يا رسولَ الله، وإنَّ لنا في البهائم أجْرًا؟ فقال: ((نعم، في كلِّ ذات كبدٍ رطبة أَجْر)).

وبالمقابل، تأملتُ في المجتمعات الغربيَّة، فوجدتُ أنهم يتعايشون (فيما بينهم) بقواسمَ مشتركة من القِيم ومكارم الأخلاق، وهي ما يُطلقون عليها: “مبادئ حقوق الإنسان”، إلى درجة أنَّه لا يمكن تصوُّر أن يُهان منهم فرد في مجتمعهم أو خارجه وفيهم عينٌ تطرف، فتقوم الدنيا ولا تقعُد حتى يأخذوا الحقَّ له، صغيرًا كان أم كبيرًا، ذكرًا كان أم أنثى، ليس ذلك فحسبُ، وإنَّما ألحقوا بهم مَن يحمل جنسياتِهم مِن غيرهم!

ان الكاتب هنا ليس بافضل من القارئ فهو يحتاج ايضا الى النصح وان يذكر بعضنا الاخر ، وان الزمن لن يعود الى الوراء ولن يعود عهد الانبياء والصالحين والناس الطيبين المتسامحين ، ولن ننتظر من سياتي ويعلمنا كيف يكرم بعضنا البعض وكيف نتسامح عن أخطاء عابره وغير مقصوده – او يعلمنا حسن الظن والتراحم فيما بين أبناء المجتمع الواحد ، لان الكتاب موجود وبين ايدينا لكننا لا نلتفت اليه ، الا من رحم الله ،، فالاخلاق والكرم وحسن الجوار والتسامح بين الناس ارث عظيم ، فاذا ما فرطنا في هذا الميراث ،  فلن يجد احفادنا ذرة واحدة منه بعدنا .

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.