الوادى الجديد | بلـدة القلمون – الجراكسة الذين حكموا الواحات

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 11 أغسطس 2017 - 6:30 مساءً
الوادى الجديد | بلـدة القلمون – الجراكسة الذين حكموا الواحات

بقلم – محمود عبد ربه

القلمون هي قرية قديمة تابعة لمركز الداخلة محافظة الوادي الجديد وكانت القلمون عاصمة للواحات الخارجه والداخله والفرافره في عصور الخلافة العثمانيه وتحت حكم دولة المماليك  وكان يعقد بها مجلس الشرع الشريف ، وفي هذا الصدد تطالعنا الدكتورة حنان حجازي استاذ قسم التاريخ الاسلامي بكلية الاداب الوادي الجديد وتقول :

لقد كانت للقلمون أهمية كبرى، حيث أنها كانت عاصمة إقليم الواحات الخارجة والداخلة والفرافرة والبحرية خلال العصر العثماني، حيث  كانت بلدة القصر عاصمة للواحات في فترات سابقة. وكانت هذه الواحات تسمى بإقليم الواحات، وخلال العصر العثماني كانت تابعة لولاية جرجا، وتعتمد في دخلها على الرسوم التي كانت تجبى من القوافل الآتية من سنار ودارفور محملة بالذهب والعبيد   . وكان يكتب أمام الواحات عبارة عهد والي جرجا ، حيث إنها من الناحية الإدارية كانت تتبع ولاية جرجا، التي كانت من أهم الولايات في الصعيد خلال العصر العثماني، وكانت تشمل معظم أرضي الصعيد   وتجاوزته لتشمل إقليم الواحات المنعزل في الصحراء.
وقرية القلمون من القرى التي ورد ذكرها في العديد من المصادر التاريخية، منها مثلا ” صورة الأرض لابن حوقل ” ( ت 367 هـ ) فذكرها قبل بلدة القصر، كما ورد ذكرها بعد ذلك فيالمغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب” للبكري ( ت 487 هـ ) بأنها حصن يتصل بحصن القصر وذكرها ابن مماتي ( ت 606 هـ )في ” قوانين الدواوين ” باسم حيز القلمون. وذكرها الوطواط ( ت 718 هـ ) في ” مباهج الفكر ومناهج العبربأنها من توابع الحيز البحري، أي أنها من توابع بلدة القصر، كما ذكرها بن دقماق  ت 809 هـ )ضمن البلدان التي ذكرها في واحة الداخلة، وقال عنها أنها بلد كبير كلها كروم وبها كنيسة للنصارى، كما ذكرها القلقشندي   811 هـ  قبل قرية القصر  
ولقد صدرت وثائق من قرية القلمون تؤكد أنها كانت مقر حكم الواحات خلال العصر العثماني، حيث يوجد سجل برقم” 392″ بدار الوثائق القومية به مجموعة حجج شرعية لموضوعات مختلفة من الواحات من سنة 409 هـ إلى سنة 1342 هـ  ..

وقد حكى داوود بن رزق الاسلمى وكانت له سياحات كثيرة بارض مصر ، وقال ، دخلت بالقرب من القلمون بالوجه القبلي فرأيت فيها ما بين بطيخ عبدلي وقثاء وخيار وما بين خوخ وتفاح وكمثرى وكلها حجارة ، وقد سخط عليها وعلى اهلها فلا يشك الناظر انها فاكهه كما قطعت من على شجرها باليد ..

وعن تاريخ العائلات الحاكم في بلدة القلمون يطالعنا اللواء رفعت الجوهري في كتاب عرائس في الرمال عام 1964 م ويقول :

وفي بلدة القلمون بالواحات الداخله عائلات عدة أصلها تركي يلقبهم الأهالي ( بالغز ) ولا يزالون هم يسمون بألقابهم العسكرية الأصلية كعائلات – باشا – وقائمقام – وعسـكري – وطمبور .. وطمبور كان مؤسس القلمون وحاكم الواحات ، وعمدة الوحات الحالي من أحفاده ،

ويدعي أفراد عائلة طمبور انهم ينتمون الى عائلة كاشف الواحات لذلك يسمون أنفسهم العائلة الحاكمه ومن العائلات التركيه بالقلمون عائلة غطاس وكان جدهم يتولى القضاء باشتراك مع الشيخ محمد ابراهيم ألديناري وهو من علماء الأزهر الشريف من بلدة أم دينار بمركز امبابه ..

ويقول أفراد على الكاشف بالقلمون ان جدهم الأعلى كان تركيا ، وجاء الى الواحات منذ أكثر من مائتي سنة وكانت الواحات عرضة لغزوات الأعراب فاتفق مع أهل القلمون على ان يحكمهم ويحميهم من المغيرين مقابل إعطائه ثلث ثرواتهم فقبلوا منه ذلك فبنى للبلدة سورا لا تزال أثاره باقية الى اليوم ( عام 1964 ) وجمع الرجال وخرج بهم الى الصحراء وردم ما فيها من الآبار بالرمل والملح فمنع بذلك قبائل الأعراب من الإغارة على القلمون . ومن أعماله انه بنى مسجدا بها لا يزال على حال حسنة الى اليوم .. ولا يزال حفدة على كاشف وذراريه في القلمون حافظين للسمات التركيه ولكنهم أصبحوا كاهل الواحات في لباسهم وأخلاقهم وعاداتهم ..

ويقول الأستاذ عبد اللطيف واكد في كتابة واحات مصر جزر الرحمه وجنات الصحراء عام 1957 :

– يقطن البلده ( القلمون ) طبقتان من الآهلين ، طبقة عليا وهم ( الغز ) وطبقة دنيا وهم الفلاحون ، ويمثل الغز السادة .. وهم ينتسبون في أصلهم إلى أمير جركسي ، قدم الواحات حاكما عليها فاستوطنها وكان يدعى الكاشف .. والكاشف كانت وظيفته إدارية في عهد المماليك ، ويخول صاحبها ان يطوف البلدان النائية وبرفقته أربعون جنديا ، فيفصل في مشاكل الآهلين وقضاياهم ..  وكان له الحق في الحكم حتى الإعدام !! ونحن نرجح ان يكون الكاشف الذي من سلالته العمدة الحالي ، هو الأمير الجركسي الذي ينتمون اليه ، ولاتزال لديهم حجج أوقاف فيها ذكر لما يدعون ..

ويمثل الطبقه الدنيا الفلاحون الذين يعملون في الحدائق والحقول ولا يقبل ( غزي ) ان يزوج ابنته أو آخته او إحدى نساء بيته من فلاح مهما كثر ماله واتسعت ضياعه ، على انه للغزي ان يتزوج ممن شاء من بنات الفلاحين ففي ذلك تنازل منه ورفع لشان المراه التي سيشرفها بالانتساب اليه كزوجه !!

والنساء في القلمون عامة على وجوههن ظل من الجمال ولهن فن غريب وطريقه خاصه في جدل شعورهن ، حتى ان الرائي للمرأة منهن يستطيع ان يحكم على حالتها النفسية لمجرد رؤية شعرها ، اذ يوزعنه في جدائل حول الرأس بنظام ينم عن إحساسهن وما يحملن في قلوبهن من حزن او سرور ، فإذا كانت المرأة سعيدة جعلت في مقدم رأسها ثماني جدائل ، أربعا في اليمين وأربعا في اليسار ، وإما الجانبان فتجدل فيهما ستا وعشرين جديله ، ثلاثة عشر في اليمن وثلاثة عشر في اليسار ، وتلقى بكل من جدائل اليمين واليسار الى ما وراء الرأس فيكون مجموع جدائل شعرها أربعا وثلاثين جديلة ..

أما اذا كانت المرأة القلمونيه حزينة فترفع جدائلها الاماميه حتى اذا ما تقادم العهد بحزنها ، وأخذت الأيام تمسحه من قلبها بدواء النسيان ، راحت تعلن عن ذلك في صمت بان يدلى جديلة واحدة في مقدمه الرأس ثم اثنين فثلاثا فأربع وهكذا حتى يتم زوال الحزن ،

وهنا في القلمون يسمون الحزن ( الجــزن ) فيقولون جــزينه بدلا من حزينة ، وبالقلمون حلفان – حلف شرقي .. وحلف غربي .. وفي نفوس أعضاء كل حلف عداوة للآخر ويتلمسون للإيقاع ببعضهم البعض ، ويبدوا ان هذا التخاصم قديم متوارث اذ ان البلده لم تكن مهبطا لأمير جركسي واحد ، بل كانوا أربعة أمراء وهؤلاء الغز هم ذراري الأمراء الاربعه ..

ولقد كانت العيون المحيطة بالقرية لا تنتج الا ماء فاسدا يسميه الاهلون ( بالماء الماسخ ) وذلك لأنه يحتوى على نسبة عاليه  جدا من مادة الحديد ، لهذا فهو يؤثر تأثيرا مباشرا في أجفان عيون الأطفال الذين يلجأون للاستحمام في غدير الماء اذا يمرضها ويحولها إلى عيون نصف مغلقه كالعوراء وما هي بعوراء ولكنها ( فرد كريمه ) وقيل لنا ان هذا الماء الماسخ اذا وضع على الشاي اسود لونه وصار كالحبر وسرعات ما أحضرنا بعضا منه.. وخلطناه بقليل من الشاي في كوب زجاجي شفاف فاذا به يضرب الى السواد شيئا فشيئا حتى صار لونه أدكن من الحبر ، وهو سريع التأثير في أي نسيج ابيض اذ يصبغه باللون السنجابي كتلك الصبغه الناتجه من ( قرض السنط ) ولكن الحكومه أغاثت القرية بحفر بئر أخرى أنتجت ماء غير ماسخ ،

ويختتم عبد اللطيف واكد وصفة لبلدة القلمون فيقول .. والقلمون من بلدان الخط الغربي الذي يزرع قراه النخيل ويمتاز أهلها بإجادة طهو الطعام ، اذ ان موائدهم تكون دائما حافلة بالعديد والجيد من الوان الطعام ، ولهذا فقد نجح مهاجروهم  فيما أقاموه من مطاعم في المدن التى هاجروا اليها ..

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

يجب عليك تسجيل الدخول لترك التعليق.